نخبة من الأكاديميين

365

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وكذلك اقتصاديات البحار المغلقة لتستطيع أن تقف أمام اقتصاديات المحيطات والقارات الكبرى والتي بدأت المدن التجارية الأوروبية تقطف نتائجها تدفقاً وتراكماً للثروة النقدية ( ذهباً وفضة ) من الهند والشرق الأقصى والعالم الجديد ( الأمريكتين ) . انصبًّ جهد الصفويين على إنجاح عملية إيصال حريرهم وبضاعتهم إلى أوروبا بإحدى هذه الطرق الثلاث « 1 » . - عن طريق موسكو شمالًا . - عن طريق الخليج جنوباً . - عن طريق الأناضول وحلب ومرافيء المتوسط غرباً . ووسيلتهم كانت الحرب الدائمة والمستمرة مع العثمانيين الذين كوّنوا بدورهم حزاماً استراتيجياً قوياً لمواجهة الصفوية في المشرق العربي ، استخدموا في تكوينه كلَّ الوسائل المتاحة ومن بينها القضية المذهبية الدينية وإثارة مشاعر التعصب بين المسلمين ( ولا سيما في عهد مراد الرابع 1623 - 1640 م ) . كما كان من جملة وسائل الصفويين من أجل استعمال الطرق التي سيطر عليها الأوروبيون الرهان على المنافسات والصراعات الأوروبية ( إسبان / برتغال - إنكليز / فرنسيون ) . فقاموا بعقد معاهدات مع العديد من الدول الأوروبية التي تحالفوا معها اقتصادياً وعسكرياً ضد هذه الدولة الأوروبية أو تلك ، أو ضد الدولة العثمانية التي لم تفلت هي أيضاً من شبكة الرهان على صراعات الدول الأوروبية ومنافساتها ، فدخلت بدورها سياسة التحالفات مع دول أوروبية « 2 » . فالدولة العثمانية كانت هي أيضاً تحاول إنعاش اقتصادها الداخلي بعد ركود المتوسط النسبي عن طريق استجلاب التجار الأجانب إلى مرافئها وأسواقها وتشجيعهم وتقديم التسهيلات لهم ، وهذا ما عرف في التاريخ الحديث بتاريخ " الامتيازات الأجنبية " التي تحوّلت في سياق انقلاب ميزان القوى بين الشرق والغرب من " منحة " تعطى من طرف إلى قيد يستتبع هذا الطرف ويكبله . وكلُّ هذا السباق لاستمالة هذا الغرب والإستقواء بأحد أطرافه ضد " العدو الداخلي " أو " الخارجي " كان يتم في سياق صراع دموي مدمر لأهم قوتين سياسيتين في العالم الإسلامي . ويمكن أن نلخص الحالة التاريخية لأوضاع العالم الإسلامي خلال قرنين ونصف من الصراع العثماني الصفوي بالصورة التي خلصنا إليها في دراستنا لطبيعة هذا الصراع في كتاب " الفقيه والسلطان " : " أن الحروب العثمانية الإيرانية التي استمرت متقطعة نحو قرنين ونصف ( 1500 - 1743 م ) كانت تزامن سياقاً تاريخياً عالميّاً اتسم بتشكل " نهضة أوروبا " وانطلاقتها التجارية واستعداداتها التكوينية للثورة الصناعية الكبرى . وكانت أهم معالم التحول في هذا السياق العالمي التفوق الذي سجلته المجتمعات الأوروبية في تقنية الأسلحة العسكرية والسفن الحربية والتنظيم المؤسساتي للدولة وأجهزتها . فبعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح والعالم الأمريكي الجديد ، لم يعد للاقتصاد المتوسطي دوره السابق . وترك

--> ( 1 ) . بديع محمد جمعه ، الشاه عباس الكبير ، بيروت ، دار النهض - ة العربي - ة ، ص 198 - 84 . ( 2 ) . راجع حول هذه السياسات ، روبرت أولسن ، حصار الموصل والعلاقات العثمانية الفارسية ، ترجمة عبد الرحمن الجليلي ، الرياض ، 1983 ، ص 49 - 68 .